السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
175
مختصر الميزان في تفسير القرآن
من المعارف الحقة ، لكنها ليست من ضروريات القرآن ، والمسلمون غير مجمعين عليه بكل ينكره بعضهم حتى اليوم ممن يعتقد كون النفس غير مجردة عن المادة وان الانسان يبطل وجوده بالموت وانحلال التركيب ، ثم يبعثه اللّه إلى القضاء يوم القيمة ، فيمكن ان يكون المراد بيان حيوة الشهداء في البرزخ لمكان جهل بعض المؤمنين بذلك ، وان علم به آخرون . فمعنى الآية - واللّه اعلم - ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أموات ، ولا تعتقدوا فيهم الفناء والبطلان كما يفيده لفظ الموت عندكم ، ومقابلته مع الحياة ، وكما يعين على هذا القول حواسكم فليسوا باموات بمعنى البطلان ، بل احياء ولكن حواسكم لا تنال ذلك ولا تشعر به ، وإلقاء هذا القول على المؤمنين - مع أنهم جميعا أو أكثرهم عالمون ببقاء حيوة الانسان بعد الموت ، وعدم بطلان ذاته - انما هو لإيقاظهم وتنبيههم بما هو معلوم عندهم ، يرتفع بالالتفات اليه الحرج عن صدورهم ، والاضطراب والقلق عن قلوبهم إذا أصابتهم مصيبة القتل ، فإنه لا يبقى مع ذلك من آثار القتل عند أولياء القتيل الا مفارقة في أيام قلائل في الدنيا وهو هيّن في قبال مرضاة اللّه سبحانه وما ناله القتيل من الحياة الطيبة ، والنعمة المقيمة ، ورضوان من اللّه أكبر ، وهذا نظير خطاب النبي بمثل قوله تعالى : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ، الآية ؛ مع أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أول الموقنين بآيات ربه ، ولكنه كلام كنّي به عن وضوح المطلب ، وظهوره بحيث لا يقبل أي خطور نفساني لخلافه « 1 » . قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ ، لما أمرهم اللّه بالاستعانة بالصبر والصلاة ، ونهاهم عن القول بموت من يقتل منهم في سبيل اللّه بل هم أحياء بيّن لهم السبب الذي من أجله خاطبهم بما
--> ( 1 ) . البقرة 153 - 157 : بحث في نشأة البرزخ ؛ تجرد النفس .